الشيخ محمد النهاوندي

255

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

روى بعض العامة أنه قيل للحسن بن علي عليه السّلام : إنّ الناس يزعمون أنّ فيك تيها - أي كبرا - فقال : « ليس ذلك بتية ، ولكنّه عزّة » وتلا الآية « 1 » . وعن القمي ، قال : نزلت الآية أو السورة في غزوة مريسيع - وهي غزوة بني المصطلق - في سنة خمس من الهجرة ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خرج إليها ، ولمّا رجع منها نزل على بئر ، وكان الماء قليلا فيها ، وكان أنس بن سيّار حليف الأنصار ، وكان الجهجاه بن سعيد الغفاري أجيرا لعمر بن الخطاب ، فاجتمعوا على البئر ، فتعلّق دلو أنس بن سيّار بدلو جهجاه ، فقال أنس بن سيّار : دلوي . وقال جهجاه : دلوي ، فضرب جهجاه يده على وجه انس بن سيّار ، فسال منه الدم ، فنادى أنس بن سيّار بالخرزج ، ونادى جهجاه بقريش ، فأخذ الناس السلاحن وكاد أن تقع الفتنة . فسمع عبد اللّه بن أبي النداء ، فقال : ما هذا ؟ فأخبروه بالخبر ، فغضب غضبا شديدا ، ثمّ قال : قد كنت كارها لهذا المسير ، [ إنّي ] لأذلّ العرب ، ما ظننت أن أبقى إلى أن أسمع مثل هذا النداء فلا يكن عندي تغيير « 2 » . ثمّ أقبل على أصحابه فقال : هذا عملكم ، أنزلتموهم منازلكم ، وواسيتموهم بأموالكم ، ووقيتموهم بأنفسكم ، وأبرزتم نحوركم للقتل ، فأرمل نساءكم ، وأيتم صبيانكم ، ولو أخرجتموهم لكانوا عيالا على غيركم . ثمّ قال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ . وكان في القوم زيد بن أرقم ، وكان غلاما قد راهق ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في ظلّ شجرة وعنده قوم من المهاجرين والأنصار ، وجاء زيد فأخبره بما قال عبد اللّه بن أبي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « لعلّك وهمت يا غلام » قال : لا واللّه ما وهمت . فقال : « لعلّك غضبت عليه » قال : لا واللّه ما غضبت عليه . قال : « فلعلّه شبّه عليك » قال : لا واللّه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لشقران مولاه : « أحدج » « 3 » . فأحدج راحلته وركب ، فتسامع الناس بذلك ، فقالوا : ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ليرحل في مثل هذا الوقت . فرحل الناس ولحقه سعد بن عبادة . فقال : السّلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته . فقال : « وعليك السّلام » فقال : ما كنت لتركب في مثل هذا الوقت ؟ فقال : « أو ما سمعت قولا قال صاحبكم » ؟ قال : وأيّ صاحب لنا غيرك يا رسول اللّه ؟ قال : « عبد اللّه بن ابيّ زعم أنه ان رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل » فانّك وأصحابك الأعزّ ، وهو وأصحابه الأذلّ . فسار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يومه كلّه ، لا يكلّمه أحد ، فأقبلت الخزرج على عبد اللّه بن أبي يعذلونه ،

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 538 . ( 2 ) . في المصدر : تعيير ، وفي النسخة : تعبير . ( 3 ) . أحدج بعيره : شدّ عليه قتبه بأداته .